مراجعة لوثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم، ايلول 2006
العبر من حرب لبنان الثانية
ازاء الحرب المدمرة التي استهدفت المدنيين اللبنانيين والاسرائيليين، وقف حزب "دعم" العمالي موقف المعارضة الشديدة للحرب الاسرائيلية التي كانت رد فعل غير متوازن ولا معقول على المغامرة غير المحسوبة التي قام بها حزب الله.
في حرب لبنان الثانية وقف خصمان من ازمنة مختلفة: من جهة حركة دينية اصولية تريد العودة بنا لعهود مضت، ومن الجهة الاخرى اسرائيل "ما بعد الصهيونية" التي تريد الانطلاق نحو رأسمالية القرن ال21، والانسلاخ عن ماضيها الاستعماري بمعناه التقليدي. في هذه الوثيقة يستعرض حزب "دعم" اهم التطورات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية الاسرائيلية والاقليمية، التي قادت الى الحرب الغريبة التي شهدنا، حرب لم يردها احد ومع هذا لم يجتهد احد لمنعها.
كيف نشبت الحرب التي لم يُرِدها احد؟
في هذا القسم تناقش الوثيقة الادعاءات الرائجة بان اسرائيل كانت تخطط لحرب لبنان، وتؤكد ان اسرائيل لم تكن جاهزة للحرب. وتلفت الى ان الشرارة التي اشعلت الحرب لم تكن عملية خطف الجنود، بقدر ما كان خطاب نصر الله الاستفزازي الذي ضخم العملية وسعى لاذلال عدوه. رد الفعل الاسرائيلي العنيف دفع حزب الله لاطلاق تصريحات متناقضة، بين اعلان النصر واعلان الندم والادعاء انه لو قدّر بان اسرائيل سترد بحرب لما اقدم على الاختطاف.
وتحذر الوثيقة من خطورة ادعاء النصر في غير موضعه، وتشير الى ان التقدير الخاطئ يمكن ان يقود الى احكام خاطئة ومكلفة، كما حدث عندما اعلن حزب الله انتصاره على اسرائيل بعد انسحابها من جنوب لبنان في ايار 2000. وثيقة "دعم" تحدد ان الانسحاب الاسرائيلي لم يكن نصرا، بل "احد الاسباب الرئيسية للحرب الاخيرة".
تقر الوثيقة بان "الاحتلال الاسرائيلي للبنان مُني بهزيمة تاريخية، الا ان الظروف الدولية لم تعطِ حزب الله امكانية التمتع بكل ثمار انجازه". فقد كان الانسحاب بالنسبة لحزب الله القمة التي من بعدها بدأ السقوط. فاسرائيل قصدت من انسحابها إبطال شرعية الوجود السوري في لبنان ونزع مبرر المقاومة المسلحة. خروج الاحتلال الاسرائيلي أطلق العنان امام التطورات السياسية الداخلية العميقة التي شهدها لبنان، والتي لم تلعب في صالح حزب الله.
البرجوازية اللبنانية بقيادة رئيس الحكومة السابق، رفيق الحريري، قدّرت بعد انسحاب اسرائيل، ان الفرصة مواتية للتخلص من الوجود السوري ومن سلاح حزب الله في آن معًا، وافساح المجال امام مصالحها الرأسمالية المرتبطة برأس المال الامريكي والفرنسي. هكذا وُلد قرار مجلس الامن رقم 1559 الذي نص على انسحاب سورية من لبنان وتفكيك سلاح حزب الله. اغتيال الحريري لم يمنع الانسحاب السوري في العام التالي 2005، كما لم يحل دون الانقلاب السياسي الذي قادته كتلة "14 آذار" المدعومة امريكيا وفرنسيا في انتخابات عام 2005.
عملية اختطاف الجنود التي قام بها حزب الله، جاءت كمحاولة لاستعادة مكانته السياسية التي تزعزعت تحت وطأة الانسحاب السوري والقرار الدولي والضغط الداخلي القاضي بتفكيكه.
وتذهب الوثيقة الى التحديد بان النقاش الداخلي اللبناني كشف عن انقسام طبقي ثقافي وسياسي عميق، بين بيروت البرجوازية التي تعيش على النمط الغربي الليبرالي، وبين جنوب لبنان الفقير الذي يعيش على النمط الايراني المحافظ. وتستنتج ان هذه الخلافات الداخلية العميقة وموازين القوى العالمية التي لعبت دورها في الوصول الى نتيجة الانتخابات في لبنان، كانت مفقودة في حسابات حزب الله مرتين، مرة عندما اعلن الانتصار على اسرائيل عام 2000، ومرة عندما قام بعملية الاختطاف التي لم تكن الحكومة اللبنانية نفسها مستعدة لدعمها لانها لم ترد حزب الله مسلحا وارادت لبنان من طراز آخر.
اختلال التوازن الاقليمي بعد احتلال العراق
الامر الثاني الذي اثر على نشوب حرب لبنان وعلى مجرياتها، كما تحدده الوثيقة، يعود للتحولات الاقليمية المتسببة عن الاحتلال الامريكي للعراق. فامريكا ما كانت لتحتل العراق بسهولة نسبية لولا دعم ايران وشيعة جنوب العراق الذين يديرون البلد. نتيجة الحرب كانت تراجع نفوذ امريكا وفي نفس الوقت صعود نجم ايران كقوة اقليمية.
مستفيدة من قوتها في العراق، سعت ايران لتثبيت نظامها. فبدأت بحملة تصعيدية ضد امريكا والغرب واسرائيل لحرف انظار شعبها عن مشاكلها الرئيسية واولها الفقر والبطالة. بانتهاج هذه السياسة العدائية وبدل ان تشكل عنصرا معتدلا ولاجما لحزب الله المقرّب منها، دفعته نحو مواجهة اسرائيل والقوى اللبنانية المطالبة بنزع سلاحه.
بالاضافة الى ذلك شكل موقف النظام السوري الذي اصبح معزولا وغاضبا بسبب اجباره على الانسحاب من لبنان، عنصرا اضافيا، وإن لم يكن مقررا، في زيادة احتمالات وقوع حزب الله في الخطأ. فسورية من جانبها معنية ببقاء الجبهة اللبنانية ساخنة، حتى تبقى قضية الجولان على جدول الاعمال. وهكذا بقي حزب الله دون رادع يمنعه من الوقوع في الخطأ الذي كلف لبنان وشعبه ثمنا غاليا جدا.
ماذا تريد اسرائيل؟
من خلال سرد تفصيلي للاحداث السياسية في اسرائيل، تبين الوثيقة ان الهم الاساسي الذي شغل اسرائيل منذ انسحابها من جنوب لبنان لم يكن التخطيط لاعادة احتلاله، بل مواجهة القضية الفلسطينية التي صارت تشكل بالنسبة لها تهديدا استراتيجيا وجوديا.
لا حزب الله ولا لبنان ولا حتى ايران، كانت على جدول اعمال اسرائيل عندما ذهبت لانتخابات آذار 2006، بل القضية الفلسطينية. ولم يتأسس حزب "كديما" ولم يفز بالانتخابات الا لانه اقترح الانسحاب الاحادي الجانب كحل سحري للمعادلة الصعبة المكونة من خمسة ملايين يهودي مقابل خمسة ملايين عربي يهددون الطابع اليهودي الديمقراطي للدولة.
تؤكد الوثيقة ان حكومات اسرائيل تعجز عن حل المعادلة لانها ببساطة ترفض منح الفلسطينيين السيادة الكاملة على اراضيهم. ففشل اتفاق كامب ديفيد قاد لاندلاع الانتفاضة الثانية وسقوط حكومة براك. وعملية السور الواقي التي قادتها حكومة شارون، لم تقض على الانتفاضة بل قوّت نهج العمليات الانتحارية في العمق الاسرائيلي الذي قادته حماس، وكلّف اسرائيل حتى اليوم نحو الف قتيل.
الانسحاب الاحادي الجانب من غزة فشل هو الآخر عندما اثمر عن فوز حماس في الانتخابات. تطويق حكومة حماس قاد لاستئناف المقاومة المسلحة واخيرا لعملية اختطاف الجندي جلعاد شليط، مما كسر الاجماع الاسرائيلي حول الانسحابات الاحادية الجانب. وهكذا بقيت اسرائيل بلا برنامج سياسي يمكّنها من التخلص من عبء القضية الفلسطينية.
تزامن عملية حزب الله مع عملية حماس، كان ابعد من ان تحتمله اسرائيل، فردت بعنف لم يكن حجمه مبرمجا، بل جاء تفاعلا بالذات مع المعادلة الجديدة التي وضعها حزب الله عندما هدد بتوسيع رقعة المعركة الى "ما بعد بعد حيفا" متحديا قوة الردع الاسرائيلية.
لقد حاربت اسرائيل لهدفين، الاول استرجاع قوة الردع، والثاني تحسين" شروط انسحابها من جنوب لبنان على اساس اجلاء المقاومة عنه ونشر الجيش اللبناني فيه لضمان الهدوء على الحدود. لم يكن هدفها اعادة احتلال الجنوب ولا القضاء على حزب الله بعد ان فهمت من تجاربها ان هذا غير وارد. لقد ادركت اسرائيل محدودية طاقتها وقوتها العسكرية، واعتبرت لبنان قضية داخلية وايران قضية دولية ودورها هي التفرغ للقضية الفلسطينية.
الحرب والمفاوضات
هذا القسم من الوثيقة يكشف امامنا اسرائيل اخرى، ربما كانت اقل مهارة ميدانيا ولكنها كانت دون شك اقوى سياسيا. فقد دخلت اسرائيل الحرب بائتلاف دولي وعربي عريض غير مسبوق، اكدت الوثيقة ان "الحرص على سلامته كان من المهمات الاساسية للحرب". هذا في حين تنازل حزب الله مسبقا عن اي دعم، مما اشار الى عدم تقييمه الصحيح لقدرته على مواجهة دولة مثل اسرائيل وحيدا.
تقول الوثيقة ان اسرائيل احتاجت للقوات الدولية لانها تعلمت ان القوة العسكرية وحدها لن تحقق مرادها. وقد لعبت اسرائيل بورقة سلاح الجو والورقة الدبلوماسية. فعمدت ميدانيا الى إبعاد حزب الله عن الحدود، وسعت بشكل موازٍ للوصول الى قرار يناسبها في مجلس الامن بالتشاور مع الامريكان والاوروبيين. وساعدت الانظمة العربية في تسويق القرار الصادر بهذا الشأن (رقم 1701) لدى حزب الله، وكان نوعا من الحل الوسط الذي ابقاه مسلحا ولكن بعيدا عن الحدود. المعركة حُسمت سياسيا وليس عسكريا.
وتعزو الوثيقة اسباب تغيير السياسة الاسرائيلية باتجاه إشراك الاوروبيين، الى فقدان امريكا مصداقيتها في الشرق الاوسط على خلفية تورطها في حرب العراق، وفشل سياستها الاحادية الجانب الذي كلف سلفيو برلوسكوني في ايطاليا وخوسيه اسنار في اسبانيا وحتى طوني بلير في بريطانيا، ثمنا سياسيا غاليا. لجوء امريكا لمجلس الامن لمعالجة قضية ايران، وتعاونها مع فرنسا في لبنان، لم يُبقيا امام اسرائيل الا ان تتعاون مع اوروبا لحماية مصالحها.
لا شك ان لهذا الخيار ايضا ثمنه السياسي. فمقابل خدمات اوروبا سيكون على إسرائيل التنازل عن النهج الاحادي الجانب، والعودة لنهج المفاوضات على القضية الفلسطينية والجولان.
وتلخص الوثيقة هذا القسم بالقول انه كان امام اسرائيل امكانيتان للحيلولة دون سقوط الصواريخ على مدنها: اما اعادة احتلال لبنان او الاعتماد على القوات الدولية. ولان الخيار الاول لم يعد واردا كما سنوضح فيما يلي، تستنتج الوثيقة انه "لم يعد امام الحكومة الاسرائيلية، بكل الوانها السياسية، سوى طريق التفاوض والتنازل لضمان مصالحها الامنية على اساس الدعم الدولي".
تل ابيب لم تحارب
تخصص الوثيقة هذا القسم لشرح التغييرات الاقتصادية التي قادت للانقلاب الايديولوجي الذي انتج اسرائيل "ما بعد الصهيونية". اسرائيل الجديدة لا تريد الموت في سبيل قيم الصهيونية، بل تحب العيش في بحبوحة الرأسمالية.
نظرة الى التحولات في الجيش تؤكد هذا الامر. سابقة تعيين قائد من سلاح الجو لقيادة اركان الجيش، جاءت تنفيذا للتقدير بان عهد الحروب الساخنة مع العرب انتهى، ولا حاجة الا لابراز قوة الردع امام العرب، وهذا بالضبط دور سلاح الجو. وانعكس الامر في إهمال ميزانية الدفاع لقوات المشاة (كما تبين في الحرب) والتركيز على شراء تكنولوجيات متقدمة في المجال الدفاعي وتطوير سلاح الجو.
في نفس الاتجاه، بات قسم كبير من الميزانية يُخصص لدفع اجور عالية للضباط، لاقناعهم بمواصلة الخدمة في الجيش. فهؤلاء اصبحوا مطلوبين لادارة شركات خاصة اسرائيلية وامريكية تضمن لهم تحقيق ارباح طائلة. وتستنتج الوثيقة: "ان السعي لكسب الثروات حلّ محل الايديولوجية الصهيونية التي اعتبرت الخدمة في الجيش واجبا للحفاظ على وجود الدولة اليهودية".
ويعبر هذا الوضع عن المفاهيم الجديدة التي تبلورت منذ اوسلو 1993، والتي باتت تعتبر الاحتلال عبئا على الاقتصاد وعائقا امام بناء علاقات اقليمية ودولية تضمن تفوقها الاقتصادي.
لهذا التحول مهّدت التغييرات في النظام الاقتصادي الاسرائيلي منذ عام 1985، من اقتصاد قطاع عام تحكمه الدولة والهستدروت، الى اقتصاد سوق حرة تحكمه العائلات الغنية والمستثمرون الاجانب. مع التحول الاقتصادي طرأ التحول الايديولوجي، ومحل القيم الصهيونية التي سعت لبناء "دولة اليهود"، حلت قيم "ما بعد الصهيونية" الرأسمالية التي باعت الدولة للاغنياء وقذفت للفقر والبطالة شرائح متزايدة من مواطنيها العرب واليهود على حد سواء.
الطبقة الوسطى التي تشكل ركائز السياسة والجيش، استفادت من هذا التحول وزاد ثراؤها. وكان تشكيل حزب "كديما" التجسيد السياسي لهذا التحول، الذي تخلى عن الايديولوجيات لصالح بناء حياة مريحة في ظل مجتمع رأسمالي. رموز الطبقة الوسطى تعيش اليوم في تل ابيب على النمط الاوروبي، ولا تريد لابنائها الموت في الحروب، فهي تعدّ لهم حياة مريحة، مستقبلا اكاديميا وعملا يضمن مستوى معيشة متفوق.
اما الطبقة البرجوازية التي حصلت من الدولة على كافة التسهيلات، من سياسة الخصخصة وبيع منشآت الدولة باسعار بخسة، والاعفاءات من الضرائب واستيراد العمال الارخص، فلا ترى نفسها ملزمة بالاستثمار في اسرائيل وخلق اماكن عمل. بالعكس، تصدّر رأسمالها للخارج، وخاصة الولايات المتحدة، بحثا عن الربح الاكبر، وتعتبر السوق العالمية ساحة نشاطها الاقتصادي الرئيسي.
من جهة اخرى الكثير من المشاريع الاقتصادية بيعت لرأس المال الاجنبي الذي لا علاقة له بالصهيونية، ولا تهمه الا ارباحه. وإذا لم تتوفر له فرصة الربح فانه لا يتردد في اغلاق مشاريعه وفصل العمال دون اعتبار للمصلحة الوطنية.
نقطة هامة جدا تلفت اليها الوثيقة هي ان الاجماع الدولي حول الحرب الاسرائيلية ضد لبنان، كان متأثرا بالتداخل في المصالح بين رأس المال الاسرائيلي والاجنبي. اسرائيل لم تنفرد بقرار الحرب بل صار عليها اعتبار رأي الشركات الاجنبية العديدة التي اصبحت شريكة لها في كل المرافق الاقتصادية، وكذلك رأي المستثمرين الاجانب الذين يديرون مشاريع في اسرائيل.
وعمليا يمكن القول ان حرب لبنان كشفت عن فرز طبقي عالمي، وقف فيه من جهة حزب الله كممثل عن جنوب لبنان الفقير، ومن الجهة الثانية معسكر الاغنياء، اسرائيل والدول الاوروبية وامريكا وحتى الانظمة العربية، التي جمعتها مصالحها الاقتصادية الرأسمالية المتداخلة.
اسرائيل ما بعد الحرب
ضمن محاسبة النفس التي يجريها المجتمع الاسرائيلي بعد الحرب، يثار السؤال الهام: لماذا قام رئيس الحكومة، ايهود اولمرت، بتكليف عمير بيريتس بتولي وزارة الدفاع، رغم عدم خبرته العسكرية، بدل تعيينه وزيرا للمالية كما طلب؟
الرد القاطع الذي تقدمه الوثيقة هو "ان وزارة المالية اصبحت اهم من وزارة الدفاع"، وتفسر بان هذا التغيير يعبر بدقة عن الانقلاب الكبير في مفاهيم وأولويات المجتمع الاسرائيلي الذي تحول من دولة استعمارات يحكمها الجنرالات لدولة استثمارات يحكمها اصحاب رؤوس الاموال. وتذهب الوثيقة للتأكيد ان اسرائيل رغم المحاسبة فهي لن تعيد عجلة التاريخ الى الوراء، ولن تتنازل لحزب العمل، صاحب الاجندة الاجتماعية، عن وزارة المالية التي يجب ان تمثل مصالح النخبة الرأسمالية الصرفة. ويعني هذا ان الانقسام الطبقي الداخلي سيبقى دون حل، بل سيتعمق.
اهتزاز حكومة اولمرت من ايامها الاولى، ينذر بانها ستلحق بمصير الحكومات السابقة التي لم تكمل ولايتها. ومع هذا تستبعد الوثيقة سقوط الحكومة في هذه المرحلة على الاقل، رغم الاستياء الشعبي. وذلك لان اسرائيل تمر بازمة قيادة وبرنامج، وليس في الافق اي حزب يمكن ان يحظى بثقة اغلبية الجمهور.
وتعود الوثيقة مرة اخرى للاشارة الى ان التركيبة الطبقية الجديدة هي التي تحمي حكومة اولمرت. فاهمال الحكومة للمدنيين الفقراء لن يُسقط الحكومة، وذلك لان الطبقة الوسطى المقررة لم تتضرر من الحرب. بالعكس، فقد واصل الاقتصاد نشاطه وارتفع مؤشر الاسهم في حين كانت الصواريخ تنهال على رؤوس فقراء مدن شمال اسرائيل. وواصلت تل ابيب حياتها في المقاهي العامة، وعقدت الصفقات الاقتصادية لبيع مشاريع لمستثمرين اجانب بمئات ملايين الدولارات.
وكان للتوجه الجديد الذي تم فيه التخلي عن القيم الاساسية ثمن اخلاقي، اقترن بمظاهر الفساد الذي استشرى في اجهزة الحكم، بمن فيهم رئيس الحكومة اولمرت ووزراء آخرون بالاضافة لشارون وولديه. ولم يكن صدفة انه في نفس ايام الحرب كان رئيس الدولة ووزير القضاء يتعرضان لتحقيقات بتهم التحرش الجنسي. انها بلا شك مظاهر افول الامبراطورية.
وتشير الوثيقة الى ان مظاهر الفساد هذه مشتركة لدول العالم الرأسمالي، الا انها اكثر حدة في اسرائيل لوجودها على "خط التماس بين العالم المتطور الغربي والعالم الفقير الاسلامي، والصدام بين الحضارتين يتم في بيتها". وتحدد الوثيقة ان هذا الوضع الخاص، يجعل مخاض انتقال اسرائيل الى مجتمع "ما بعد الصهيونية"، عسيرا. فهي تعيش حالة انفصام، بين اسرائيل الحديثة التي تتبنى نمط الحياة والقيم الغربية، وبين اسرائيل التي تضطر للاستثمار في جيشها والتضحية بأرواح ابنائها لحماية نفسها من المحيط العربي الفقير الذي يرفض الاحتلال والاستغلال ويفضل الموت على الاذلال.
وما يزيد في صعوبة مواجهة هذا المحيط، هو الانقسام الداخلي الى طبقات غنية، وسطى وفقيرة، والانقسام الايديولوجي والسياسي بين يمين متطرف ووسط معتدل. اذ يؤدي هذا الانقسام الى تآكل التضامن الاجتماعي الذي وحّد في الماضي الدولة اليهودية الصهيونية القديمة، تحت راية الخدمة العسكرية. فالفقير اليوم لا يريد ان يحارب لاجل دولة الاغنياء التي قذفته الى الهوامش وأفقرته، ولا الغني يريد الموت لان دولته تعد له "حياة ممتعة".
وتلخص الوثيقة هذا القسم بالاشارة الى ان محور الصراع السياسي في اسرائيل اليوم يتمحور حول قضيتين لا حل لهما: الاولى التناقض الطبقي الداخلي بين عمال فقراء منزوعي الحقوق وبين الطبقات الوسطى والغنية، والثانية التناقض بين اسرائيل كدولة عظمى اقليمية غنية جدا مقابل عالم عربي فقير. وسيكون على اسرائيل ان تسوي هذه المعادلة اذا ارادت البقاء، ولكن مشكلتها انها تفتقر للقيادة القادرة على الاجابة عن السؤال البسيط: اي مجتمع نريد وما هي قيمه؟ وما الحل للنزاع مع المحيط العربي وبالذات الفلسطينيين؟
هذا التناقض يفتح امام حزب دعم فرصة لشق طريقه على اساس برنامج عمالي واضح، اساسه انه اذا قررت اسرائيل انها لا تريد ان تحارب، فسيكون لزاما عليها التخلي عن مساعي التفوق على محيطها العربي، وإحداث تغيير اجتماعي جذري يقضي على التوجه الرأسمالي المفرط، الذي يقود للفقر والحروب. كل حل سوى هذا سيعمّق الازمة دون ان يحلها.
دور حزب دعم
على اساس هذا التحليل اشتق حزب دعم موقفه من الحرب. فقد عارض الحكومة الاسرائيلية وبرنامج حزب الله الاصولي في آن معا. وبدا هذا الموقف غريبا عن "الاجماع" القومي الرجعي الذي سيطر على الرأي العام والاحزاب في الشارعين العربي والاسرائيلي على حد سواء.
لقد كانت الحرب فرصة لتثقيف العمال الحزبيين وغير الحزبيين حول موقف الحزب الماركسي الذي لا ينجر وراء رأس المال من ناحية، ويرفض ايضا الدعاية القومية والدينية التي باتت تميز الطبقة الوسطى العربية وشريحة المثقفين التي تغازل الليبرالية الرأسمالية حينا وتحقد عليها حينا آخر، او تبرر السلام الامريكي الكاذب ثم تنجرف وراء برامج المقاومة الاصولية.
التناقض الطبقي العميق الذي تعيشه "اسرائيل ما بعد الصهيونية"، يفتح المجال امام طرح برنامج دعم العمالي الاشتراكي. وعليه، تقترح الوثيقة الاستمرار في نفس الخط الذي قدمه حزب دعم في الانتخابات الاخيرة، وهو التركيز على المعركة من اجل احقاق حقوق العمال، وبناء قوة اجتماعية كبيرة كقاعدة سياسية، دون التنازل عن الموقف السياسي.
مشكلة البطالة والفقر اصبحت مشكلة عالمية، ولا حل لها الا بمعركة طويلة الامد متعلقة بتقدم الطبقة العاملة في العالم. والمطلوب في هذه المرحلة التركيز على تثقيف الطبقة العاملة بالموقف العمالي الماركسي، ومواصلة المعارك الملموسة في الميدان من اجل احداث اماكن عمل والدفاع عن حقوق العمال وتنظيمهم وتوعيتهم نقابيا. هذا هو نهجنا في المرحلة الراهنة، وما حدث من حرب وأزمة جعل هذا النهج وهذا الهدف اكثر الحاحا بل واكثر واقعيةً تجعله يستجيب لظروف المرحلة.
|