السلطة الفلسطينية

لقاء دمشق يؤجج نار الفتنة

الشعب الفلسطيني تحول الى ضحية للاقتتال الداخلي بين فتح وحماس. الحرب بين الحركتين ليست حربا اهلية تقسم الشعب الى قسمين، بل هي حرب على السلطة بين جهازين متنفذين يسعى كل منهما لضمان مصالح مناصريه، بعيدا عن المصلحة الوطنية العامة. الفوضى والفقر والبطالة اصبحت سيدة الموقف، والشعب يدفع الثمن. يعقوب بن افرات

لقاء رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (ابو مازن) ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، الذي انعقد بدمشق ليل الاحد 21 كانون ثان، لم يسفر الا عن بيان مشترك من اربعة بنود هزيلة لا تبشر بانهاء الصراع الفلسطيني الداخلي. البند الاول يحرّم الاقتتال الداخلي، ويدعو الثاني للحوار لتشكيل حكومة وحدة خلال اسبوعين، اما البندان الثالث والرابع فينصان على تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية والتمسك بالثوابت الوطنية.

جاء اللقاء بعد مشاورات مطوّلة بين وفد من حركة فتح وبين خالد مشعل، للوصول لنتيجة تتيح تشكيل حكومة الوحدة. ولكن بمرور الوقت بدت المهمة مستحيلة، لان الهوة بين الطرفين عميقة يصعب ردمها. معلقون سياسيون حصروا الخلاف بكلمتين "الالتزام" و"الاحترام": فتح تريد من حماس "الالتزام" بالاتفاقات الموقعة مع اسرائيل، وحماس تكتفي ب"احترام" الاتفاقات دون الالتزام بها. والحقيقة انه وراء هذا الخلاف اللغوي، يستتر خلاف عميق منهجي، سياسي وثقافي.

بدا هذا واضحا في تصريح وزير الخارجية الفلسطيني، محمود الزهار، الذي صرح لصحيفة "كل العرب" بان: "المطلوب امريكيا واسرائيليا ليس حكومة وحدة وطنية تمثل برنامج الوحدة الوطنية. المطلوب حكومة تلبي شروط الرباعية". من هذا يُفهم ان ما يريده ابو مازن هو ما تريده اسرائيل وامريكا، اما ما تريده حماس فهو عكس ذلك. في نفس المقابلة فسر الزهار ان سبب فشل جهود تشكيل حكومة وحدة هو "التدخلات الخارجية التي لا تريد لحكومة الوحدة ان تنشأ".

غير ان التدخلات الخارجية ليست شأنا لطرف واحد فقط. لا شك ان ابو مازن منحاز للمحور الامريكي في المنطقة، والمتمثل بمصر والسعودية والاردن، ولكن حماس لا تقف وحيدة في مواجهة هذا المحور. زيارات قادة حماس المتتالية الى ايران، والدعم المالي الذي قدمته طهران لم يكن مجانيا، بل له ثمن سياسي واضح. كما ان العلاقة الحميمة التي تربط حماس بحزب الله والنظام السوري، لا تدع مجالا للشك بالنسبة للمحور المضاد الذي تنتمي اليه حماس، وللاعتبارات الاستراتيجية التي تملي عليها تحركاتها الداخلية.

لقد فرضت التدخلات الخارجية نفسها، بسبب حالة الشرذمة والتمزق التي اصابت القيادة الفلسطينية. الضعف الفلسطيني الداخلي حوّل القضية الفلسطينية الى حلبة لصراعات القوى الخارجية، والتي تشارك فيها دول الشرق الاوسط، العرب وايران، اوروبا، امريكا وبالطبع اسرائيل. اللقاء بين مشعل وابو مازن جاء بتدخل سوري قوي، هدفه تحسين وجه النظام السوري الذي يواجه عزلة دولية وأزمة حقيقية في لبنان. وفي نفس وقت اللقاء بين القادة الفلسطينيين، كان الامين العام لمجلس الامن القومي الايراني، علي لاريجاني، يزور دمشق للقاء مسؤولين بينهم خالد مشعل نفسه.

الشعب ضحية الاقتتال الداخلي

اذا كانت القضية الفلسطينية قد وضعت رهينة للتدخل الخارجي، فان الشعب الفلسطيني نفسه تحول الى ضحية للاقتتال الداخلي بين فتح وحماس. الحرب بين الحركتين ليست حربا اهلية تقسم الشعب الى قسمين، بل هي حرب على السلطة بين جهازين متنفذين يسعى كل منهما لضمان مصالح مناصريه، بعيدا عن المصلحة الوطنية العامة. الفوضى والفقر والبطالة اصبحت سيدة الموقف، والشعب يدفع الثمن.

ان ما يحدث في المناطق الفلسطينية المحتلة هو تراجع كبير على كل المستويات السياسية، الاجتماعية والاقتصادية. فلا وحدة في المصالح الاستراتيجية على المستوى السياسي، والشرخ الطبقي والاجتماعي اصبح كبيرا جدا. وما يزيد في تأزم الوضع هو غياب المقومات لبناء اقتصاد مستقل، واعتماد السلطة الفلسطينية على مصادر خارجية لتمويلها.

ان الكارثة الاكبر التي سبّبتها اتفاقات اوسلو التي يريد ابو مازن من حماس "الالتزام" بها وليس مجرد "احترامها"، هي التبعية الاقتصادية والاتكال التام على الدول المانحة. وليس واضحا كيف يمكن منع "التدخلات الخارجية" عن سلطة مرهون وجودها بالمساعدات الخارجية.

على هذا السؤال لم ترد قادة حماس حتى الآن، فالزهار يرفض شروط "الرباعية" (اوروبا، الامم المتحدة، روسيا والولايات المتحدة) التي تفرض عليه الاعتراف باسرائيل والالتزام بالاتفاقات الموقعة معها ونبذ العنف. ولكن المشكلة ان "الرباعية" التي تضع الشروط هي نفسها "الدول المانحة" التي تموّل. والاتفاقات التي لا تريد حماس الالتزام بها، هي التي تلزم اسرائيل بتمرير اموال الجمارك للسلطة. ولكن حماس تريد من اسرائيل والرباعية الالتزام بالقسم الخاص بها في الاتفاقات وتمرر الاموال، دون ان تضطر هي لدفع الثمن السياسي.

ولا تكتفي التبعية عند هذا الحد، بل تدخل كل جوانب الاقتصاد الفلسطيني. فالسلطة تعتمد في التصدير والاستيراد على الموانئ الاسرائيلية، كما ان الماء والكهرباء والمواد الغذائية الاساسية تأتيها من اسرائيل منذ بدء الاحتلال. حتى الشيكل الاسرائيلي هو العملة الرسمية الفلسطينية. حكومة حماس تستطيع ان ترفض الاعتراف باسرائيل، ولكنها لا تستطيع ان ترفض ما تقدمه لها اسرائيل من خدمات اساسية مطلوبة لضمان بقاء سلطتها. ان سياسة "اريد المساعدة ولكني ارفض شروطها" هو مجرد عبث لا منطق له ولا واقعية.

انتقادنا لسياسة حماس لا يعني ان قيادة فتح براء من المسؤولية عن المآل الخطير الذي آلت اليه القضية الفلسطينية. فتح هي التي وقّعت على اتفاق اوسلو الذي ارسى القواعد لنظام المساعدات. صحيح ان فتح نهبت المال واستخدمته لضمان سلطتها وعاثت في الارض فسادا، غير ان جوهر المشكلة لا يكمن في طبيعة القيادة الفتحاوية الفاسدة، بل في طبيعة نظام المساعدات.

المِنح المقدمة من الدول المانحة جاءت اساسا بهدف شراء الهدوء، وفرض شروط اوسلو المجحفة على الشعب الفلسطيني. لقد خُصّصت هذه الاموال ووُجّهت من اجل الفساد، ولم تأت لبناء نظام اقتصادي مستقل. وهذا ما يفسر التناقض غير المحلول الذي وقعت فيه حماس، فهي تريد ان تدير اموال فاسدة بشكل نزيه.

الاستقلال الاقتصادي اولا

محور الخلاف بين فتح وحماس ليس الاعتراف باسرائيل او عدمه. فهذا شأن خاضع لاعتبارات سياسية ضيقة لكل من الطرفين، ففتح تريد الاعتراف لانها لا تعرف ان تحكم دون الاموال الفاسدة، وحماس ترفضه لانها لا تريد فقدان مبرر وجودها السياسي والعقائدي. المشكلة الاساسية هي كيف يتم تحقيق الاستقلال؟ ففتح وحماس متفقتان على قيام دولة فلسطينية في حدود 1967، ولكن السؤال موضع الجدل هو ماذا سيكون شكل ومضمون هذه الدولة؟ استمرار اتكالها على الشيكل الاسرائيلي مثلا، سيعني بقاؤها كيانا بلا اقتصاد حقيقي واستمرار تبعيتها لنظام الهبات المالية، وبالتالي ادامة تعرضها للتدخلات الخارجية وبعدها عن الاستقلال الناجز.

ان قيام الدولة لا ينحصر فقط في ازالة الاستيطان والاحتلال، بل يعني بناء اقتصاد مستقل قادر على توفير مصدر رزق للشعب. نعم، ترحيل الاحتلال شرط مسبق لبناء هذا الاقتصاد، ولكن ما يحدث بين فتح وحماس، يشير الى ان كلاهما يفتقدان البرنامج الاقتصادي لتحقيق هذا الهدف. لقد كان بامكان حماس ان تقلب كل الفرضيات الراهنة، وتعلن عدم الالتزام بالاتفاقات التي جعلت من الشعب الفلسطيني متسولا على ابواب اوروبا، ولكنها بدل ذلك راحت باسم الشعب تستجدي الاموال من طهران والخرطوم. ان تهريب الاموال في حقائب عبر معبر رفح، لا يمكن ان يكون بديلا اقتصاديا جادا، بل استمرارية لنفس النهج الذي جرّ على الشعب الفلسطيني كارثة حقيقية.

بدل استنزاف كل طاقاتها في خرق الطوق الاقتصادي، كان حريا بحكومة حماس ان تضع برنامجا اقتصاديا حقيقيا واللجوء لمعالجة هموم الطبقة العاملة الفلسطينية. ولكن اولوياتها كانت بناء جهاز شرطة جديد خاص بها، وصرف معاشات لمناصريها، مما ساهم في تأزم الاوضاع.

ان الطوق الحقيقي ليس ذلك الذي تفرضه الدول المانحة، بل حرمان العمال الفلسطينيين من الوصول الى اماكن العمل في اسرائيل، الامر الذي لا يحظى من حماس باي اهتمام. حماس تفضل الهبات من الخارج على الاموال التي يمكن لليد العاملة الفلسطينية ان تدرها على الاقتصاد الفلسطيني. لا فتح ولا حماس تهتمان بالعمال، بل تفضلان ان يبقوا ضعفاء ومتعلقين بالسلطة حتى يسهل حكمهم. فتح وحماس لا تريدان شعبا قويا منتجا، بل مجتمعا ضعيفا خاضعا للدعايات الكاذبة التي يروّجها كلا الطرفين.

اسرائيل هي المستفيدة الاساسية من هذا الوضع. فبدل ان تحمّلها السلطة الفلسطينية مسؤوليتها عن تجويع شعب كامل بحرمانه من مصادر الرزق وعدم السماح له ببناء بديل اقتصادي، ينحصر النقاش بمسألة الاعتراف او عدم الاعتراف باسرائيل التي تقادم عليها الزمن، منذ شطب عرفات الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1988 وبدأ رحلته الطويلة الى اوسلو.

وهنا تبدو الكارثة، فلا جديد في طرح فتح واصرارها على الاعتراف، ولا في طرح حماس الرفضوي. الشعب الفلسطيني بحاجة لافكار جديدة وبرنامج يربط بين قضيته وقضايا بقية شعوب العالم. ان امريكا ليست عمقا استراتيجيا بل مصدرا للكوارث، وايران ايضا ليست عمقا استراتيجيا بل مصدرا لإدامة الكارثة. ان مصدر القوة موجود في العمال، في النقابات والاحزاب التي تكافح من اجل عالم جديد دون استغلال واحتلال واستعمار. هذا هو نطاق النضال ومن يخرج عنه يحكم على نفسه بالعزلة سواء اعتمد الرفض او اعتمد الاستسلام وقبل باملاءات النظام الامريكي المجحفة.

ان لقاء دمشق هو شهادة حياة لعجز الطرفين عن خلق واقع جديد ينقذ الشعب الفلسطيني من محنته الراهنة. والاقتتال الدامي المستمر في غزة والضفة الغربية، هو نتيجة مباشرة للطريق المسدود الذي وصله كلا الطرفين اللذين عزلا نفسيهما عن الشعب وحاجاته. ان الحرب الداخلية آخذة بالتحول الى واقع ثابت يوما بعد يوم، حتى اصبحت اللقاءات والمداولات مجرد اسقاط واجب، وليس مجهودا حقيقيا لوقف النزيف الذي يهدد الكيان الفلسطيني اكثر مما يهدده الاحتلال.


الصفحة الرئيسية

 حزب دعم العمالي

هويتنا وبرنامجنا

انجازاتنا

لماذا سأصوّت دعم

قائمة المرشحين

صحافة

עברית

English

راسلونا

 مواقع ذات صلة

مجلة الصبّار

מגזין אתגר

Challenge Magazine

جمعية سنديانة الجليل

جمعية معًا النقابية