لغز حكومة غير شعبية

مصير الحكومة متعلق بتقرير فينوغراد؛ رغم ضعفها السياسي وانخفاض شعبيتها، الا ان الائتلاف الواسع والنمو الاقتصادي، ينقذاها. سر النمو الاقتصادي هو ثقة المستثمرين بان الحكومة ملتزمة بسياسة الاقتصاد الحديث التي تخدم مصالحهم. ولكن عدم الاستقرار السياسي والأمني سيقودا حتما لازمة اقتصادية ايضا.

يعقوب بن افرات

عندما يُنشر التقرير غير النهائي للجنة فينوغراد التي تحقق في اداء القيادة السياسية والعسكرية الاسرائيلية اثناء حرب لبنان الثانية، سيكون من السهل تقدير مصير الحكومة الاسرائيلية. الامر متعلق بالسؤال هل تحمّل اللجنة رئيس الحكومة ووزير الدفاع مسؤولية اتخاذ قرارات غير سليمة وغير ملائمة، ادت لسقوط عدد كبير من الجنود وتعرض مدن شمال اسرائيل للشلل التام بسبب القصف الصاروخي، او انها ستعفيها من المسؤولية المباشرة.

بغض النظر عن قرار اللجنة، فليس من المتوقع ان تغير صورة الحكومة في نظر الرأي العام. فهناك اجماع بين المعلقين والصحافيين، بين اليمين واليسار، بان تقليد رئيس حزب العمل، عمير بيريتس، منصب وزير الدفاع كان خطأ فادحا نابعا من اعتبارات سياسية ائتلافية ضيقة، وضعت الشخص غير المناسب في المنصب الاهم والاخطر في اسرائيل. وما ساهم في نزع المصداقية عن الحكومة كانت استقالة قائد هيئة اركان الجيش، دان حالوتس، بضغط من الجنرالات واهالي الجنود الذين سقطوا في الحرب.

حكومة فاسدة

علاوة على كل ذلك، يقوم مراقب الدولة باجراء تحقيقات مختلفة في قضايا متعلقة برئيس الوزراء نفسه، منها قضية البيت الذي اشتراه من احد مقرّبيه باقل من سعره الحقيقي، وقضية التعيينات غير السليمة في وزارة الصناعة عندما كان وزيرا في حكومة اريئل شارون. وليس اولمرت الاول الذي يتهم بالفساد، فقد تعرض شارون نفسه لتحقيق كما أُدين ابنه عومري بتهمة تسلم اموال بطريقة غير قانونية لتمويل دعاية والده في الانتخابات الداخلية لحزب الليكود. ولكن الفرق ان شارون اعتبر رجلا قويا، وكان في خضم معركة قمعية شرسة ضد الفلسطينيين، الامر الذي منحه شعبية كبيرة الى ان دخل الغيبوية نتيجة الجلطة الدماغية.

مشكلة اولمرت هي ان جميع المقربين منه تعرضوا لتحقيقات خطيرة جدا، ادت لاستقالتهم من مناصبهم. سكرتيرته الشخصية، شولا زاكين، التي رافقته منذ كان رئيس بلدية القدس، استقالت بعد اتهامها بتلقي رشوة متورط فيها مدير سلطة الضرائب وهو منصب هام تابع لوزارة المالية.

الرجل الثاني المقرب جدا من اولمرت، وزير المالية، ابراهام هيرشزون، متهم اليوم باختلاس اموال من صندوق نقابة العمال الوطنية "هستدروت ليئوميت" حين كان رئيسها. وكان اولمرت قد فضل اعطاء وزارة المالية لهيرشزون المقرب منه، على ان يعطيها لبيريتس حليفه الاساسي في الحكومة. وعلى هذا القرار يدفع رئيس الوزراء ثمنا مزدوجا.

لاتمام الدائرة لا بد من ذكر وزير العدل السابق، حاييم رامون، الذي كان من مهندسي "الانفجار الكبير" الذي قاد لتشكيل حزب "كديما" على اساس شق الليكود والعمل، وجمع المنشقين في حزب جديد برئاسة شارون، وكان المتوقع ان يحصد الحزب 40 مقعدا في البرلمان بسبب شعبية رئيسه الكبيرة. وقد أُدين رامون بارتكاب عمل مشين بحق جندية تعمل في مكتب رئيس الحكومة. وما زاد الطين بلة كان التوقيت. فقد تحرش رامون بالجندية اثناء استراحة قصيرة للجنة الامنية التي تداولت في موضوع الحرب في اول ايام الحرب، 12 تموز. وقد اثار هذا الانطباع بان بعض الوزراء لم يكونوا مركّزين في مهمتهم في الوقت الذي بعثوا فيه جنودا الى ساحة القتال.

ائتلاف القوى

التهم الموجهة للحكومة بشأن الحرب وقضايا الفساد كان المفروض ان تؤدي الى سقوطها او دفعها للاستقالة، خاصة بعد تقلص قاعدتها الشعبية بدرجة كبيرة. ولكن إسقاط الحكومة يحتاج الى اغلبية برلمانية تطالب بذلك، والائتلاف الحالي واسع جدا ومستقر جدا لدرجة لم تعرفها اسرائيل منذ وقت من طويل. فالائتلاف الذي يجمع بين حزب العمل من اليسار وحزب "اسرائيل بيتنا" اليميني العنصري، لم يكشف حتى الآن عن خلافات على مستوى السياسة الخارجية او الداخلية، الامر الذي يمنع الازمات التي اعتدناها في حكومات سابقة.

احد الاسباب الاضافية المهمة جدا لاستقرار الحكومة، هو عدم وجود بديل سياسي. فرغم افتقار رئيس الحكومة للشعبية، الا ان منافسه الرئيسي، بيبي نتانياهو، اقل شعبية منه بكثير. فقد مُني نتانياهو في الانتخابات الاخيرة بهزيمة ساحقة، بسبب الانشقاق الداخلي في الليكود وبسبب سياسته الاقتصادية التي قلصت مخصصات الرفاه وعمّقت الفقر حتى تحول الى مشكلة اجتماعية خطيرة تهدد تماسك المجتمع الاسرائيلي وتزعزع ثقة الجمهور بالدولة وقيادتها.

ان مشكلة عدم وجود كادر سياسي لائق لقيادة الدولة، تحولت الى اهم واخطر المشاكل التي تواجهها اسرائيل. فلم تعد الاحزاب السلطوية الامكانية الوحيدة للبروز اجتماعيا والتقدم اقتصاديا، فتركها ذوو القدرات لتحقيق طموحاتهم الشخصية في السوق الحرة، ولجأ اليها من فشل في تحقيق ذاته بشكل مستقل. لقد تحولت السلطة والجمهور الذي كان المفروض ان تخدمه، الى وسيلة لخدمة الطموح الشخصي للسياسي. هذا ما يفسر استشراء مظاهر الفساد في كل اركان الحكم وداخل الاحزاب.

اقتصاد ناجح

وفي الجهة المقابلة، ورغم الفشل العسكري والسياسي وتراجع قوة الردع الاسرائيلية الذي تجلى في الحرب، ورغم الفساد الذي يحيط الحكومة ووزراءها، الا ان الوضع الاقتصادي لم يتأثر بل بالعكس. فالاستثمارات الاجنبية تتدفق الى الدولة وتحقق ارقاما قياسية تنعكس في انتعاش البورصة الاسرائيلية على نحو غير مسبوق. كيف يمكن حل هذا اللغز العجيب لحكومة تفتقد ثقة الجمهور وضعيفة سياسيا، ومع هذا تتمتع بثقة عالية من المستثمر الرأسمالي الاجنبي والمحلي، الذي كان المفروض ان يهرب الى دول اكثر استقرارا سياسيا وامنيا.

الجواب تجدونه لدى ممثلي القطاع الخاص، اصحاب الشركات ومدرائها النافدين. وبالنسبة لهؤلاء الاقتصاد ينمو رغم الحكومة ودون علاقة بها، بفضل ثقة المستثمرين بمدراء الشركات الذين يديرون مشاريعهم بطريقة سليمة، خلافا لمدراء القطاع الحكومي والسياسيين عموما. وليس سرا ان القطاع الخاص قد نجح في اجتذاب خيرة الكادر الاداري من ضباط الجيش والمخابرات والطلاب المتفوقين الذين يرون مستقبلهم في الاقتصاد وليس في السلك الحكومي، وهو ما أفرغ كل مجالات الخدمة الجماهيرية ودوائر حكومية من الكادر المهني اللائق.

ومع هذا فالحقيقة ليست بالضبط كما يصورها هؤلاء المستثمرون الذي يمدحون الاقتصاد الرأسمالي الحر، وينبذون كل ما هو حكومي. فأحد اسباب الفساد هو العلاقة الوطيدة بين رأس المال والسياسيين. وإذا كان صحيحا ان السياسي يخدم نفسه على حساب الجمهور، فهو في نفس الوقت يخدم الرأسماليين على حساب نفس الجمهور. مقابل الدعم الذي يحظى به السياسي من المستثمر، فانه يسن قوانين ويتخذ قرارات تخدم رأس المال سواء في مجال تقليص الضرائب على الارباح، استيراد الايدي العاملة الرخيصة من الخارج، تقليص النفقات على مخصصات الرفاه وغيرها من الخطوات التي تشجع رأس المال على حساب العمال.

ولكن الامر الاهم الذي يشجع رأس المال هو صلاحية الحكومة في بيع المرافق العامة المربحة جدا مثل مصلحة البريد، الكهرباء، الموانئ، المطارات وغيرها، للمستثمرين المقربين منها. ان القوة الاقتصادية التي تركزت بايدي قلة قليلة من الرأسماليين تُرجمت الى قوة سياسية كبيرة جدا، لا يستطيع اي سياسي الوصول لمنصب مرموق دون الحصول على دعمها. فقد تحول رجال المال الى السادة الحقيقيين للدولة، واستبدلوا بذلك مؤسسات الحكومة والهستدروت التي انشأت وادارت اقتصاد الدولة حتى عام 1985، عام الانقلاب الكبير في السياسة الاقتصادية.

ان ثقة المستثمرين المحليين والاجانب بالاقتصاد الاسرائيلي لا تنبع من الثقة بالادارة السليمة لرجال الاعمال فقط، بل من الثقة بالحكومة ايضا التي تضمن استمرار السياسة الاقتصادية الرأسمالية الراهنة. ويعرف المستثمرون ان استثماراتهم آمنة، لان كل حكومة ستخلف الحكومة الراهنة، ستواصل نفس السياسة. فقد جرب اصحاب الرساميل رؤساء الوزراء السابقين سواء نتانياهو، ايهود براك من قبله واليوم اولمرت، وتبين انه رغم الخلافات السياسية بينهم، بقيت القاعدة الاقتصادية ثابتة ولم تتغير، لانهم جميعا يخدمون رأس المال الخاص، سيد الموقف في اسرائيل.

وبهدف الحفاظ على السياسة الاقتصادية الراهنة التي تدلل الرأسماليين، تم استيراد ستنلي فيشر الذي شغل في السابق منصبا مرموقا في صندوق النقد الدولي الخاضع للسيطرة المطلقة لوزارة المالية الامريكية، وتم تسليمه منصب عميد البنك المركزي في اسرائيل. ويتلخص دور ستنلي فيشر في الاشراف العام على الاقتصاد، والالتزام امام المستثمرين بان السياسة الراهنة ستستمر بغض النظر عن الانقلابات السياسية في البلاد.

ان عدم الرضا الشعبي لا يقتصر على سوء ادارة الحرب والفساد، بل يطال الحالة الاجتماعية التي تتجلى في اتساع الفجوات الطبقية مما يزعزع البنية الاجتماعية للدولة. من المريح جدا لهؤلاء الرأسماليين الذي يستغلون العمال لدرجة إفقارهم، ان يحمّلوا السياسيين المسؤولية عن الفساد وسوء الادارة ومعاناة الشعب، ويعفوا انفسهم من اية مسؤولية. انهم آمنون وحياتهم مضمونة طالما ان اموالهم تترجم الى ارباح وطالما ان بمقدورهم تغيير زعيم بآخر دون ان تتغير السياسة الاقتصادية التي تفضلهم على المصلحة العامة للمجتمع.

ان المشاكل الامنية وعلى رأسها النزاع الدموي مع الشعب الفلسطيني من ناحية، والتدهور الاجتماعي النابع من تدني الاجور والبطالة من ناحية ثانية، يهددان كل هذه المكاسب الاقتصادية المبنية على اسس واهية. عدم الاستقرار السياسي والامني سيقودان لا محالة الى ازمة يمكنها اعادة الاقتصاد الى الوراء من جديد، وتؤدي الى هروب الاموال للخارج كما كان الحال عام 2002. الحكومة تؤجل الحلول، ولكن في نهاية المطاف سيفرض الواقع المأساوي نفسه على كل الذين يغضون الطرف عنه، ويلهون انفسهم بتفاؤل وهمي من عجيبة الاقتصاد الاسرائيلي.


الصفحة الرئيسية

 حزب دعم العمالي

هويتنا وبرنامجنا

انجازاتنا

لماذا سأصوّت دعم

قائمة المرشحين

صحافة

עברית

English

راسلونا

 مواقع ذات صلة

مجلة الصبّار

מגזין אתגר

Challenge Magazine

جمعية سنديانة الجليل

جمعية معًا النقابية