|
حرب لبنان
النووي لا يُشبع فقراء ايران
الحرب على لبنان كشفت الدور الايراني، الذي يدعم حزب الله ضد اسرائيل من جهة، وفي نفس الوقت يدعم شيعة العراق في تعاونهم مع امريكا ضد السنة. من جهة اخرى يصر احمدي نجاد على انتاج الطاقة الذرية وتحدي امريكا والعالم. ايران تحولت الى لاعب رئيسي، استوجب اتخاذ موقف منها. وبالغ البعض بالاستنتاج انها القوة العظمى الجديدة التي ستدحر اسرائيل وامريكا، فجاءت هذه المقالة لتوضح طبيعة النظام الايراني المتشدد وتناقضاته.
سامية ناصر خطيب
منذ توليه السلطة قبل عام ونيف، يتباهى الرئيس الايراني، محمود احمدي نجاد، بقدرته على استفزاز امريكا واسرائيل. الشعارات النارية تنطلق ذات اليمين وذات اليسار، وكلها تجاهر بقدرة ايران على تخصيب اليورانيوم تمهيدا لانتاج الطاقة الذرية. ويطمح احمدي نجاد ان تكون ايران دولة اقليمية عظمى بعد احتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين، الذي تم بدعم كبير منه ومن اوليائه الشيعة العراقيين.
ما سبب اصرار ايران على السياسة النووية المغامرة، وما الهمّ الحقيقي الذي يعيشه الشعب الايراني؟ هل حققت الدولة الرفاهية لشعبها وضمنت له الحياة الكريمة، ولم يبق امامه الا امتلاك القنبلة النوويه ليصبح دولة عظمى؟
الخبز قبل القنبلة
انتخب احمدي نجاد لرئاسة ايران، في وضع تعاني فيه البلاد لحظات حرجة. التحديات الداخلية كانت كبيرة، تتعلق بالتنمية الاقتصادية وحل مشكلات الفقر والبطالة والتضخم وتحديث البنى التحتية، ومكافحة الفساد وضمان الحريات وجذب الاستثمارات الاجنبية لتطوير المنشآت النفطية.
تعد ايران واحدة من الدول الغنية بالنفط في المنطقة. وحسب المصادر الرسمية، يبلغ دخلها من النفط وحده، ثلاثة مليارات دولار شهريا. لكن بقدر ما هي غنية بقدر ما يعاني شعبها من الفقر. ولم يتمكن نظام "ولاية الفقيه"، المسمى ايضا نظام الملالي، طيلة 27 عاما من رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للمواطن الايراني. ولا يبدو ان الطاقة الذرية التي يسعى احمدي نجاد لتطويرها ستحل مشكلة الفقر.
حسب آخر الاحصائيات الرسمية يعيش 40% من الشعب الايراني تحت خط الفقر، وتتراوح نسبة البطالة بين 20% بشكل عام، و30% بين خريجي الجامعات. وحسب الناطق باسم السلطة القضائية، جمال كريمي، فان 600 الف مواطن ايراني يدخلون السجن سنويا.
وثيقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الايراني (Tude) في ديسمبر 2005، ذكرت ان السنوات العشرين الاخيرة شهدت اتساعا في الفجوات الطبقية بين الاغنياء والفقراء بسبب سياسة الخصخصة ودعم البرجوازية الكبيرة، حتى صار معدل اجور الاغنياء اكبر ب17 مرة من معدل اجور الفقراء.
علاوة على المشاكل الاجتماعية، تعيش في ايران اقليات قومية تشكل نصف عدد السكان ال68 مليون. الاقاليم الفقيرة التي تسكنها الاقليات والقوميات المذهبية المضطهدة، كاقليم كردستان والاهواز وبلوشستان وغيرها، موجودة على حافة فلتان امني يهدد الدولة برمّتها. وقد جعل هذا مجلة المانية تضع ايران على قائمة الدول التي لا يُوصى بالاستثمار فيها في السنوات الخمس القادمة.
المفارقة ان احمدي نجاد فاز بالحكم بعد ان سوّق نفسه كنصير للفقراء، وارتدى لاجل هذا زيا متواضعا، مستخدما في الوقت نفسه خطابا سياسيا بسيطا قريبا من فهم العامة الذين وصفوه بروبين هود. وقد وعد "روبين هود" الايراني شعبه بانهم "سيشعرون بنصيبهم في النفط يوميا". وكان من اهم شعاراته الانتخابية "جلب النفط لموائد الفقراء".
بعد ان تحول التوزيع العادل للثروة الى حديث رجل الشارع الايراني، استفاق الشعب بعد الانتخابات ليجد ان الحال نفس الحال. واتضح ان الحكومة الايرانية الجديدة ماضية في دعمها لمصالح المقربين من النظام والبرجوازية. الصحيفة الايرانية "الاقتصاد العالمي" تقدّر بانه لا سبيل لحل مشكلة البطالة التي ستكون اكبر معضلة ستواجه النظام في السنوات المقبلة.
دولة الفقيه
حين انتخب احمدي نجاد كان عليه ان يختار بين العودة بايران الى سني الثورة الاسلامية الاولى التي شهدت توترا داخليا وعزلة دولية، او الاستمرار في نهج دولة الاصلاحات الذي وضعه الرئيس الاصلاحي السابق، محمد خاتمي، واساسه الديمقراطية والتنمية. وكان من اهم اسباب فشل التيار الاصلاحي المعارضة الشديدة من جانب المحافظين الذين واصلوا الهيمنة على مراكز السلطة الحيوية.
ازاء هذه المعضلة اختار احمدي نجاد العودة بايران 20 عاما الى الوراء. ووصل الحكم بدعم من المرشد الاعلى للثورة الاسلامية، علي خامنئي، الذي يتربع على اعلى قمة الهرم السياسي في ايران، ويمسك كل الخيوط بيده بواسطة مجلس صيانة الدستور. ويقوم هذا المجلس بتعيين نصف اعضائه ال12، ويعين البرلمان النصف الآخر شريطة الا يتعارض هذا مع قرار المرشد. ويركز هذا المجلس بيده كل القوة السياسية والامنية والاستخباراتية ، الى جانب احتكاره لوسائل الاعلام والمؤسسات القضائية والبرلمانية ومجلس تشخيص مصلحة النظام.
وما كاد التيار المحافظ يعود للحكم في حزيران 2005، حتى انطلقت حملة تشديد بدت كانتقام من الايرانيين على اثر ترحيبهم الواسع بالمبادئ الاصلاحية لدورتين انتخابيتين. فبالاضافة لاغلاق عدة صحف تتسم بمواقفها الليبرالية، اعلن احمدي نجاد عزمه على تطهير جامعات البلاد من "الافكار العلمانية والليبرالية المستوردة"، والداعمة لهذه الافكار.
بدأت الحملة بوزارة التكنولوجيا والتعليم العالي، حيث تم منذ اشهر احالة حوالي 40 استاذا جامعيا الى التقاعد المبكر. وتزامن الامر مع قيام وزارة التعليم العالي بتعيين رؤساء جدد للجامعات.
جاء هذا في اطار الوفاء بالوعود التي اطلقها خلال حملته الانتخابية بالعودة الى "قيم الثورة" الاسلامية التي قادها الامام الخميني عام 1979. ودعا احمدي نجاد الطلبة للانتفاض على الاساتذة الجامعيين المتأثرين بالغرب. وشدد على وجوب ابتعاد مسؤولي الجامعات عن السياسة، بعدما شكلت الجامعات والحركة الطلابية الرافعة الاساسية، التي أوصلت خاتمي والتيار الاصلاحي للسلطة في السنوات الثماني الماضية.
"الشيطان الامريكي"
زفّ كبار القادة الايرانيين لشعبهم بشرى النجاح في تخصيب اليورانيوم، وخرجت مسيرات الملايين ونُظّمت المهرجانات الاحتفالية. واشار ذلك الى ان الحكومة الايرانية استعادت القدرة على إلهاب مشاعر الجماهير على اساس تحدي الغرب وامريكا. ويأتي هذا خلافا للسياسة الاصلاحية السابقة التي سعت للانفتاح وبناء الجسور مع الغرب.
تعبئة الشعب حول قضية القنبلة النووية هي محاولة لاستعادة نفود وسمعة النظام في الشارع الاسلامي وخاصة السني، الذي ايد بعضه النظام الايراني على قاعدة العداء لاسرائيل وامريكا. ويأتي هذا بعد استياء من تواطؤ ايران مع امريكا سواء في افغانستان من خلال الهزارة (الشيعة الافغان) او في العراق من خلال الاغلبية الشيعية واحزابها.
وتحدد وثيقة اللجنة المركزية لحزب دعم (ايلول 2006) انه "ما كان لامريكا ان تحتل العراق بتلك السهولة، لولا التعاون الفعلي من جانب ايران والشيعة بجنوب العراق. ان الاطاحة بصدام حسين لم يكن هدفا امريكيا فقط، بل ايرانيا ايضا. فايران تطمح لبسط نفوذها في المناطق العراقية المحاذية لها والتي لها اهمية دينية للشيعة، مثل النجف وكربلاء. ومع سيطرة الاحزاب الشيعية في العراق، انقلب الواقع السياسي مما زاد قوة ونفوذ ايران على حساب الدول العربية السنية في الشرق الاوسط".
الطاقة الذرية التي يسعى بواسطتها نظام احمدي نجاد الى حشد الشعب الايراني ضد اسرائيل، لا يمكنها حل ازمة الفقر الاساسية ومشكلة انعدام الحريات العامة والفردية. وتبقى القضية الرئيسية فقدان البديل السياسي. فقد مل الشعب نظام الملالي المحافظ، اما التيار الاصلاحي فقد فشل في تغيير النظام وفقد مصداقيته.
|