حكومة وحدة دون افق سياسي

تم اخيرا تشكيل حكومة الوحدة الفلسطينية. ويأتي هذا بعد سنة من الشلل السياسي، المتأتي عن الخلاف الجوهري بين الحكومة برئاسة حماس والمعارضة بقيادة فتح. وكانت الانتخابات التشريعية الفلسطينية قد اطلقت العنان للمنافسة العنيفة والدامية على السلطة، والتي انتهت الى حرب الشوارع في قطاع غزة. وقد افقدت هذه الحرب كلا الطرفين دعم الشارع الفلسطيني، وبات واضحا ان احدا لن يخرج منتصرا من المعركة بين الاخوة. المخرج من هذا الوضع كان في توقيع اتفاق مكة برعاية السعودية والذي يشكل اساسا للحكومة الجديدة.

ولا يقتصر دور الرعاية السعودية على "الاصلاح" بين فتح وحماس، بل تحولت الى راعية للقمة العربية في اواخر آذار في الرياض، وعلى جدول عملها اقرار مجدد للمبادرة العربية للسلام التي تبنّتها القمة عام 2002. وتنص المبادرة، السعودية الاصل، على السلام والتطبيع بين الدول العربية واسرائيل مقابل انسحاب الاخيرة لحدود ال67 واقامة دولة فلسطينية والتوصل لحل عادل ومتفق عليه لقضية اللاجئين.

وتلقى المبادرة قبولا من السلطة الفلسطينية ومن رئيس الوزراء الاسرائيلي نفسه الذي اعلن موقفه الايجابي منها، علما ان اسرائيل رفضتها طيلة خمس سنوات. فما سر التحول؟

لا شك ان الترتيب الجديد مريح لكل الاطراف. فحماس تعلن قبولها المبادرة لتعفي نفسها من الاعتراف المباشر بإسرائيل، على امل ان يسهّل ذلك ازالة الحصار عن الحكومة الفلسطينية. اما إسرائيل فتتستر وراء المبادرة لإظهار حسن النوايا دون التزام بالتنفيذ، ويشير الى ذلك مطالبتها بإسقاط قضية اللاجئين الفلسطينيين من المبادرة.

المبادرة السعودية هي عمليا غطاء تستخدمه امريكا نفسها، للتستر على التحرك الاقليمي الذي تقوده في المنطقة. فهي تهدف الى بناء جبهة بمشاركة الدول "المعتدلة" لمواجهة محور الدول "المارقة" بزعامة ايران وسورية. ولا شك ان تفاهما اسرائيليا فلسطينيا برعاية عربية ركن اساسي في بناء وتعزيز جبهة كهذه.

وتؤكد هذا التوجه المعلومات الصحافية بان وزيرة الخارجية الامريكية، كوندوليزا رايس، التي تزور المنطقة عشية انعقاد القمة العربية، تعمل على تنظيم لقاء موسع يشمل الرباعية العربية المشكلة من مصر، السعودية، الاردن والامارات، والرباعية الامريكية الاوروبية، بالاضافة للسلطة الفلسطينية واسرائيل. وستكون المبادرة السعودية الاساس العام المتفق عليه بين الاطراف.

هذا ما يفسر توافد السفراء والوزراء لرام الله للالتقاء بمسؤولين في الحكومة الفلسطينية الجديدة، رغم مقاطعة اسرائيل لها. حتى الامريكان قرروا الاجتماع بوزراء في الحكومة الفلسطينية، مثل سلام فياض. ويعتبر البعض الامر بداية فك الحصار عن حكومة اسماعيل هنية وانتصارا لحماس، فيما يرى البعض الآخر ان الضغط على حماس سيزيد حتى تليّن موقفها من اسرائيل، علما ان الحصار المالي على الحكومة لا يزال معلنا.

على ارض الواقع تضطر الدول المانحة لتقديم المساعدات للسلطة الفلسطينية لمنع وقوع كارثة انسانية بسبب الحصار. الاحصائيات الرسمية للامم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي، تشير الى ان السلطة الفلسطينية تسلمت عام 2006 (في عهد حكومة حماس) اكثر من ضعف المبلغ التي تسلمته عام 2005، وهو ما يؤكده الوزير فياض. الاتحاد الاوروبي وحده يمنح مساعدات لمليون فلسطيني (ربع السكان). وقالت مصادر في الامم المتحدة ان المجتمع الفلسطيني صار اكثر تعلقا بالهِبات الانسانية، وهي خطوة الى الوراء بالنسبة لدولة في طريق البناء. ففي حين تزداد المساعدات الخارجية، هبط الانتاج المحلي بنسبة 6,6% وارتفعت نسبتي البطالة والفقر الى 30%.

ويدل هذا الواقع على ان مشكلة السلطة الفلسطينية الاساسية هي في النظام الاقتصادي المنبثق عن اتفاق اوسلو والمؤسس على المساعدات. والمشكلة الاكبر ان فتح وحماس متفقتان على ادامة هذا النظام الفاشل الذي حوّل شعبا كاملا الى متسول، وكل الخلاف بينهما يدور حول تقاسم الهِبات. ان المشكلة الاقتصادية لا تقل اهمية عن المشكلة الجغرافية. فالارض مورد حيوي لاقامة دولة، ولكن طبيعة هذه الدولة ومصادر الرزق التي ستوفرها لمواطنيها هي مسألة الوجود.

من هنا فاننا لا نعلّق آمالا كبيرة على الحكومة الفلسطينية التي قررت التستر وراء المبادرة السعودية التي تحظى بتفسيرات عديدة ولا ينوي احد تنفيذها. امريكا التي تحتل العراق لا تعترف بسيادة العرب على ارضهم ونفطهم، واسرائيل لا تعترف بحق الشعب الفلسطيني في السيادة على ارضه، اما السعودية فهي مثال النظام الفاسد الذي يضع سلامة العائلة المالكة فوق اي اعتبار. وعندما تجتمع مصالح السعودية، اسرائيل وامريكا لا يبقى مجال لمصالح الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.


الصفحة الرئيسية

 حزب دعم العمالي

هويتنا وبرنامجنا

انجازاتنا

لماذا سأصوّت دعم

قائمة المرشحين

صحافة

עברית

English

راسلونا

 مواقع ذات صلة

مجلة الصبّار

מגזין אתגר

Challenge Magazine

جمعية سنديانة الجليل

جمعية معًا النقابية