فلسطين بين تناحر وانتحار

نفّذ الجهاد الاسلامي العملية الانتحارية الاولى منذ اشهر طويلة في مدينة ايلات السياحية. ولم يكن الاحتلال العنوان الرئيسي للعملية هذه المرة، بل كان القصد توجيه رسالة الى فتح وحماس لوقف الاقتتال الداخلي، وتوجيه البنادق ضد العدو المشترك. كانت هذه محاولة لاعادة رسم خطوط المواجهة، بعد اكثر من ست سنوات على الانتفاضة التي وحّدت كل التنظيمات في المعركة ضد اسرائيل.

والواقع ان هذه الوحدة كانت صورية، ولم تعبر عن حد ادنى من التلاقي السياسي. وكما اكدنا اكثر من مرة على صفحات "الصبّار"، لم تكن هناك وحدة هدف بل منافسة شديدة جدا بين فتح وحماس على احتلال الشارع الفلسطيني من خلال الحرب على اسرائيل. وقد واصلت فتح تمسكها بموقفها المؤيد لاتفاق اوسلو ولوجود السلطة الفلسطينية، اما حماس فوضعت هدفا استراتيجيا لنفسها شطب الكيان الصهيوني من خلال توجيه ضربات انتحارية في "العمق الاسرائيلي".

اليوم تتضح النتيجة بكل دمويتها. السلاح الفلسطيني غير المنظم الذي خدم اولا واخيرا التنظيمات المختلفة، تحول اليوم وسيلةً لتصفية الحسابات بين فتح وحماس المتنافستين على "الكرسي". النقطة المفصلية التي قادت للاحتراب الراهن، جاءت بعد خمس سنوات من الانتفاضة، عندما فازت حماس بالانتخابات التشريعية في كانون ثان (يناير) 2006.

وقد قبلت حماس حينها بالهدنة مع اسرائيل، كي يتسنى اجراء الانتخابات التشريعية بهدوء. وفازت حماس بالحكومة مستفيدة من فساد سلطة عرفات من جهة، ومن تضحياتها الجسيمة في حربها مع اسرائيل من جهة اخرى. وبدا انها رغم فشلها في تحقيق هدفها الاستراتيجي، وهو شطب الكيان الصهيوني، وضعت لنفسها هدفا اكثر واقعية، وهو الاستيلاء على السلطة الفلسطينية بطريق الانتخابات الديمقراطية.

صحيح ان فوز حماس في الانتخابات كان شرعيا، ولكن لا يعني هذا انه كان مشروعا. فحماس عندما كانت في المعارضة، شكّلت قوى مسلحة تصرفت حسب برنامج فئوي ضيق، وهاجمت اسرائيل دون احتساب لقرارات سلطة فتح ورئيسها، وتعمّدت تقييدها واحراجها؛ واليوم عندما اصبحت فتح في المعارضة، فانها تسعى للرد بالمثل، وتشعر ان حماس قد سرقت الحكم منها. ان بذور الحرب الاهلية، او الحرب "التنظيمية"، موجودة في هذا الخلل الاساسي، وهو عدم انصياع الاطراف السياسية للشرعية الدستورية. ان تكاثر السلاح في الشارع والتنافس الشديد على السلطة كان لا بد ان ينفجر عاجلا ام آجلا.

ست سنوات من الانتفاضة خلقت فوضى عارمة في المناطق المحتلة. الاقتصاد الفلسطيني دُمّر تماما. المؤسسات الحكومية تلاشت. الشعب اصبح فقيرا، جائعا، عاطلا عن العمل وفاقدا للثقة بقياداته. اليوم بعد ان احتلت ثقافة الشهادة ولغة السلاح الساحة السياسية، يصعب جدا اعادة الامور لنصابها الصحيح. لقد هبطت قيمة الانسان الفلسطيني الى ادنى المستويات، وما كان يعتبر قبل الانتفاضة خطا احمر تحول اليوم الى واقع مرير لا احد يعرف كيف يمكن ايقافه.

بعد 40 عاما من انتزاعها حق التمثيل الشرعي المستقل والوحيد مع انطلاق الثورة الفلسطينية في 1/1/1965، عادت القضية الفلسطينية اليوم الى حضن الانظمة العربية، وتحولت الى ساحة تتقاسمها صراعات الدول الاخرى. الاولى التي "تبنت" عملية الصلح بين فتح وحماس كانت مصر التي دعت الفريقين للقاهرة. ووجدت سورية الجرأة لاجبار محمود عباس وخالد مشعل على الالتقاء في عقر دارها. ولا تمانع طهران في التنبيش عن عظمة لها ايضا في الوحل الفلسطيني. اما اسرائيل وامريكا واوروبا فتبحث هي الاخرى عن موطئ قدم ثقيل للتأثير على مجرى النزاع خدمة لاغراضها. وكانت آخر المتسابقين للقفز على المركبة الموحلة، السعودية التي تسعى لاحتلال موقعها الاقليمي على حساب ايران، ودعت مشعل وعباس الى لقاء في مكة.

ولكن للاسف، وصلت القضية الفلسطينية الى طريق مسدود، بعد ان جربت كل الخيارات المطروحة امامها. فقد جربت الالتحاق بركب الاستعمار من خلال اوسلو، وكانت النتيجة سلطة هزيلة ارتزقت من الفساد؛ ثم جربت الانتحار كوسيلة لدحر الاحتلال وطمس اسرائيل، وجاءت النتيجة عكسية، وكان نصيب الفلسطينيين عزلةً، دمارا وأخيرا حربا اهلية.

المفتاح ليس بيد فتح وحماس ولا حتى في الوحدة المستحيلة بينهما، بل يكمن في اعادة النظر في التجربة النضالية وشق طريق جديد، صياغة برنامج جديد، ونهج جديد ملائم للظرف العالمي والاقليمي الراهن. ان سقوط الاحتلال امر ممكن وحتمي، ولكن السؤال ماذا سيكون الثمن وهل يكون الشعب جاهز لامتصاصه، والاهم من ذلك ماذا سيكون وجه الدولة الفلسطينية التي ستقوم على انقاض الاحتلال.


الصفحة الرئيسية

 حزب دعم العمالي

هويتنا وبرنامجنا

انجازاتنا

لماذا سأصوّت دعم

قائمة المرشحين

صحافة

עברית

English

راسلونا

 مواقع ذات صلة

مجلة الصبّار

מגזין אתגר

Challenge Magazine

جمعية سنديانة الجليل

جمعية معًا النقابية